قصة قصيرة (طريق ميَّـــ الوجه الباكي ــــادة) بقلم :فالح السعيد
.. مضى عليَّ كثيرٌ من الوقت وأنا أبحثُ حولي .. وفي متاهات ذاكرتي المُبعثرةِ عن بدايةٍ مدهشةٍ .. أو مدخل مناسب لهذه القصة التي تَئِنُ في صدري .. تليقُ بصاحبةِ الوجهِ الباكي .. والعيون المستنفرة .. كنهرٍ تائِهٍ عن مجراه ..كسماءٍ تَمطرُ أحزاناً كلِّ الفصول .. .. أنا الذي أذهلتُ كل الذين صدَّروا آلامهم إلى قلبي .. وأعدتُ أنتاجَ عذاباتِهم من خلال القصص التي كتبتُها .. أراني اليومَ أقفُ عاجزاً أمام قدري الذي يتقافزُ أمامَ وجهي مثل كرة صغيرة تتقافزُ بينَ المضاربِ .. وها أنا أصرخُ بوجعي على مدخل بوابة قصتي التي بدأت منذُ أسابيعَ نادرةٍ .. تتشكلُ على أرضِ الواقعِ في قلبي ..
حتى العنوان حيّرني .. في البداية فكرتُ ب (نفق الوهم) إنه طريق (ميادة) التي تسيرَ فيه مسلوبةَ الإرادةِ مثلَ حالاتِ الرجلِ الآليِ الرتيبةِ .. أو تصرفات مغسولي الأدمغةَ الذين تتحكمُ بردود أفعالهم عن بعدٍ مافياتٌ .. أو جهاتٌ ذاتُ ارتباطاتٍ سريةٍ .. !
ولأنني فكرتُ (بالقيد) منذُ اللحظةِ الأولى التي بدأتُ بها أتابعُ الحِراكَ اليومِيَّ لأبطالِ القصةِ .. أقصدُ القيدَ النفسيَّ الذي يهيمنُ على كافة الجوارحِ .. فكانَ القيدُ أحدَ الأسماءِ المُحتملةِ .. قفز في ذهنيَ (رجلٌ بينَ امرأتين) أو(امرأتان ورجل) كعنوان يستوعبُ ملامحَ هذه القصة التي بدأت حلقاتها منذُ اسبوعين تتدحرج أمامي على وجه الشارع العريض .. وها أنا أقوم بلظمها بهذا الخيط الذي يُُشكلُ هذا العِقد الذي سيكون تميمة لصاحبة القصة ؟! ويكون النافذةَ المضيئةَََ عليها .. لا أدري لماذا رأيتُ هذا العنوانَ كبيراً .. ويعطي بعداً إضافياً للبطل .. وربما يكونُ مستهلكاً للأفلامِ والمسلسلاتِ العربية .. لقد سطوا على كلِّ العناوين الرشيقة ولم يبقَ لنا نحن الهواة إلا القشور !.. شكراً لهذا السطو الجميل الذي وضعنا في مواجهة البحث والتساؤل .. مما حداني أن أتجهَ إلى حلٍ آخرٍ يعتمدُ على مهارات مكتسبة من ثقافة المؤامرة الهزلية ؟! ربما هو الوصفُ عن قرب بواسطة (الكاميرا الخفية!) لشخصيةِ البطل .. (الأخطبوط) كَلَقَبٍ مشتقٍ من شخصيةِ البطلِ المُتشعبة كالوادي الذي يَتَناسل منه عدةُ أوديةٍ ..
كم أكره (خرابيط) الكمرا الخفية التي تقوم على فكرة (المؤامرة) .. حيثُ يبدأ اللعب الأرعن وتداعياته ثقيلة الدم على محورينِ ..
(برادة وجه أصحاب الوجوه البلاستيكبة) مغلَّفةً بخفة دم متطفلة بلهاء ..
وبراءة وجدِّية الضحية الذي تثور أعصابهُ بعدما يطفح الكيل .. وعند وصوله نقطة التصادم .. يصبون على رأسه (سطل) ماء بارد لكنه ليس أبرد من وجه مقدم البرنامج الذي ينجو من ثورة الضحية ! بهروبه الأرعن والأهبل .. محتمياً بالكمرا المحمولة والناس الموجودين مصادفةً في مكان المؤامرة .. يأخذ بيد الضحية محاولاَ احتضانه وتحويل وجهه صوب الكمرا المخفية .. يقول له : ( شوف شوف هنيك الكمرا الخفية .. تعيش وتأكل غيرها حبيبه لألبي إنت !) وربما لا تسعفه هذه الإشارة التي تنقل الضحية من خط الإستواء ذو الشمس العمودية .. إلى صقيع المحيط المتجمد الشمالي بطرفة عين .. فيأخذ مقدم البرنامج .. ما يستحق من الصفع (والشلاليت) وخلافه ..
ان فكرة الكمرا الخفية ليستْ قائِمةً على الصدفة المرحة المُحببة .. والتلقائة وحسن النية .. إنها قائمة على فكرة الإثارة والاستفزاز .. وقياس ردود الأفعال عند الضحية .. وكأنَّهُ في ضيافةِ عيادةٍ نفسيةٍ .. حيث تتحول الفكرة الرعناء إلى ابتزاز لمشاعر الضحايا وتحويلهم إلى (كاركاتير) أضحوكة في عيون الناس..
سألني أحد المتابعين لبرنامج الكميرا الخفية :
لماذا يقع اختيار فريق العمل على أرباب الفنون .. ليكونوا ضحايا هذه النزوات الطائشة المستوردة .. لماذا دائماً هذه التجربة ثقيلة الدم مع هذه الشموع التي طوال عمرها تواصل الذوبان كيما تُدْخِل الفرحةَ إلى قلوب الناس .. ؟! ..
قلت : لا أدري .. ربما لأنهم يتحلون بالشفافية وسعة الأفق ..
قال : إجاباتك جاهزة دائماً مثل مَن يعمل على ( نول ) الحياكة .. لغة الألوان مفرودة أمامه في كلِّ حين ..
بدأ (طريق ميادة) يطرقُ بوابة فكري بعد الزيارة الخاطفة التي أمتعني بعطرها طيف الشاعر الذي يرسم البسمة على خدود الورود .. الدكتور (م.ش) عندما طالع القصة قال :
ليس أجمل من (طريق ميادة) الذي سيربطُ أجزاء القصة المبعثرة مثل مسبحةٍ تمرَّدت حبّاتها على عبودية الخيط الرفيع الذي يخترق قلبها فتدحرجت في أرجاء أرض الغرفة .. أو مثل الغيوم التي (تدفها) الرياح فتتراكض في السماء كقطعان الماعز التي تطلب الماء عندما يداهمها العطش الشديد .. كما أن تداعيات القصة ترتكز على طريق ميادة ..
قلت : هل هذا مدح الألم أم ذم التشظي ؟!
قال : الإثنان معاً .. ثمَّ تابع .. فكرة القصة متوارية .. أو غائبة .. عليكَ أن تخترع فكرة للقصة وتقوم بمعالجتها .. ما تكتبه مجرد فوضى جميلة ؟!
قلت : هل تقصد الفوضى الخلاقة التي يتغنى بمحاسنها (سيد الكون !) وحاشيته .. والتي زادت على أياديهم ينابيع الدماء .. وملايين الجياع والمشردين .. والمدن الرائعة التي أرسلوها للعصر الحجري ؟!
.. هذا (السيد) لم يخترع هذه العبارة المدهشة ! .. بالأمس كان عند الماركسيين الأوائل نفس الطرح مع اختلاف الفكر والرؤية والنتيجة .. لكن العبارة كانت ترتدي اللون الأحمر ليرضي نزق الثوار وتطعاتهم النضالية (من الفوضى تنطلق الثورة ) ..
قال : عليكَ أن تبحث عن الفكرة في ذاكرتك الجمعية .. أو أغرفها من خزان الألم اليومي .. أو فتش في أدراج الذاكرة الشعبية عن فكرة عصية .. حاول القيام بترويضها .. ومن ثَمَّ أنفخ بشراينها من روحك الخلاقة ! .. ألا ترى أن قصتك طويلة .. أطول من الظل وقت العصر .. إنها تداعيات روائية .. كما أنكَ أثْقلْتَ المتلقي بمصباح (ديوجين) وأنت تواصل البحث عن اسمٍ لهذه القصة ..
قلت : ما قاله (فرانك أوكونور) : (القصه هي الفن المطلق .. وهي تمثل امتحاناً مدهشاً للقاص ..)
كما أن الرواية المذهلة هي التي تنجبُ القصص القصيرة .. أليست المفاصل الروائية عبارة عن مسلسل من القصص القصيرة ..
إنكَ تعطني الوصفات المستعجلة .. كما يفعل طبيب الطواري .. سئمنا من حكاية (ليلى والذئب) التي ما زالت تتناسل من الذهنية الطفيلية على الورق .. كما أن القاص المتسربل بالوجع اليومي ليس عالماً يبحثُ عن فكرةِ إختراعٍ ويقوم بمعالجتها بتقنيات علمية .. ماذا لو حقنوا الحاسوب بأمصال القصة القصيرة .. ربما نرى دمية جميلة ترتدي ثوب القصة القصيرة .. لكنها تبقى دمية جميلة بلا روح .. أما أنا يكفيني هذا الإنسياح العشوائي على خرائط الجراح .. أن فيه الشيء الكثير من تعدد الأصوات التي تنجبُ نوارسَ الأفكار التي تبحثُ عن بحرٍ غير قابل للموت .. أن لحظات التجلّي في الكتابة القصصية في الجوهر الذهني عند المبدع والتي تتم ربما بلحظات هي نتاج سنوات طويلة من تراكم الخبرات والتجارب الجمعية والشخصية ..
.. أو أسمِّيها (الوجه الباكي) صفةٌ انْتَزعتها من ملصقات المدرسة (الرومنسية) أو ألمْلِمُهُ عن وجهِ البطلة (ميادة) الذي هو في حالةِ بكاءٍ دائمٍ .. كما يُلمْلِمُ الليل عباءَتهُ عن وجهِ الصباحِ ويرحل ..
.. هذا ما حصلَ في الطابق الثاني لمقهى (النت) كانَ اثنانِ يعالجانِ
استمارة مهمة على جهاز الحاسوب ..
قالت : لو سمحتْ .. هل تساعدنا في إتمامِ هذه الاستمارةِ على الشاشةِ ؟
قلت : ولكني حديثُ العهدِ بالحاسوبِ ووليدهُ المدلل (النت) ذو الوجوهِ التي لا تُحْصى مثل وجه المناقق ..
قالت : ولكنّا نراك دائماً هنا تواصلُ الدخولَ والخروجَ على الجهاز ..!
قلت : ما ترونه من موهبتي في (سَوْقِِ) هذا الجهازِ وتوابعهِ .. مثلَ مّن يسوقُ (محراثاً) آلياً في أرضٍ زراعيةٍ تكثرُ فيها المطبات والحُفر .. فتراهُ يعلو ويهبط .. ويظهر ويختفي .. ربما هي حالةٌ نادرةٌ .. مثل
مَن يحلقُ في فضاءِ الإبداعِ من غيرِ أن يدخلَ مدرسةً أبداً .. يمتطي خيول الفنتازيا لتحلّقُ بهِ في فضاء الكون كي يصطاد أجمل غزالات الروح .. تاركاً خلفهُ مدارس التقنيات .. هل هي الإلتفاتات الرعوية التي تحدث عن جنونها الجميل الأدباء الأوروبيون الرعويون مثل ( فرجيل ) الألماني .. ( وكيتس ) ( وشيلي ) البرطانيان ؟!
قالت الصبيةُ (حواس) التي تلتقي في أثوابِها المفاتنُ .. كما تلتقي الفواكهُ في حدي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |